منذ طفولتي و ” هم ” عبثا يحاولون اقناعي
بأن عصفورا في اليد
خير من عشرة على الشجرة !..
ولم أصدق تلك الاكذوبة أبد !..
وكيف أصدق أيها الغريب
أن عصفورا في اليد خير من عشرة على الشجرة
وأنا أعرف أن العصفور في اليد هو امتلاك لحفنة رماد
والعصفور على الشجرة ..حلم بلا نهاية …
العصفور على الشجرة هو البداية
هو دعوة للركض على قوس قزح
وانطلاقة فوق فرس بري .. إلى عوالم حقيقة الذات
والعصفور في اليد هو كلمة ” الخاتمة “
وقالب معد سلفا لسجن كل ما هو نبيل وفريد فينا !..
من قال أن ريشة في مهب الرياح
ليست خيرا من حصاة مستقرة في قاع نهر راكد ؟!
أحبك أيها الغريب
أيها المشرد بين القارات .. كسنونو اطلق الرصاص على الربيع
ورفض كل يد تحتويه ,ورفض حتى غصنه ,وسكن في الريح ,وانطلق في الكون
أحبك أيها الغريب
وحتى حين تأتي إلي ..برقتك الشرسة العذبة..وتستقر داخل كفي
بوداعة طفل
فإني لا أطبق يدي عليك
وانما اعاود اطلاقك للريح
واعاود رحلة عشقي لجناحيك _ وجناحاك المجهول
والغرابة …
احبك
وأطفح بالامتنان لك
فقد حولتني
من مسمار في تابوت الرتابة .. إلى فراشة شفافة مسكونة بالتوقد
قبلك كنت أنام جيدا , معك صرت أحلم جيدا
قبلك كنت اشرب ولا أثمل , معك صرت أثمل ولا اشرب
احبك أيها الغريب
بضراوة السعادة ..وبرقة الحزن …
فأنا أعرف جيدا
أن من يحب عصفورا على الشجرة
يكتشف مدى قدرته على العطاء والتوهج …
لكنه أيضا
يكتشف مدى قدرته على الحزن
حين ترحل الشجرة بطائرها !
وأعرف أن رحيلك محتوم
كما حبك محتوم !
وأعرف أنني ذات ليلة سأبكي طويلا
بقدر ما أضحك الآن
وأن سعادتي اليوم هي حزني الآتي
ولكنني أفضل الرقص على حد شفرتك
على النوم الرتيب كمومياء ..ترقد في صندوقها عصورا بلا حركة !
خذني اليك أيها الغريب
يا من صدره نقاء صحراء شاسعة …
وصوته حكايا الأساطير ……… ضمني اليك
ولنطر بعيدا عن مدينتهم , وشوارعهم وكرنفالاتهم ,ولننطلق معا , مثل سهم ناري لا ينطفىء
ها هو ذئب الفراق … قابع في انتظار سقوطنا بين أنيابه
إذا سقطت
لن أشكو
المهم انني عرفت نشوة أن أطير ..اغامر … وأطير
التقينا لنفترق ؟
فليكن !
خذني اليك الآن ..وليرحل عنا الرحيل !
ضمني إلى جحيمك الرائع ..وليرحل عنا الرحيل !
ومهما هددني الغد بالفراق ..ووقف لي المستقبل بالمرصاد ..متوعدا بشتاء أحزان طويل
سأظل أحبك
وبلحظتنا الكثيفة كالمعجزة ..أتحدى الماضي والمستقبل
وكل صباح أقول لك : أنا لك …
لأنني اؤمن بأن عصفورا على الشجرة …. خير من عشرة في اليد !
* غادة السمان *